الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
17
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات ، بينات الإعجاز ، وعجزوا عن معارضتها ، شرعوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا ، فرد اللّه عليهم ذلك بقوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ، أي كثيرا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش ، من أمم عاتية كعاد ، وثمود وأمثالهم ، هُمْ أَحْسَنُ من هؤلاء أَثاثاً أي أمتعة وَرِءْياً ( 74 ) ، أي منظرا ، أي فهم أفضل من هؤلاء فيما يفتخرون به ، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا ، أي فإن ما أنتم أيها الكفار فيه من النعم ، محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئا عند نزول البلاء بكم ، كما وقع للأمم الماضية ، حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم ، ومع ذلك أهلكهم اللّه بكفرهم ، ولم ينفعهم الترفه شيئا قُلْ يا أشرف الرسل لهؤلاء المفتخرين بما لهم من حظوظ : مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ، وهذا الأمر بمعنى الخبر ، أي من كان مستقرا في الضلالة ، مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور ، فيمهله اللّه بطول العمر ، وبسط المال ، وإنفاقه فيما يستلذّ به من الأوزار ، ولا يزال يمدّ له استدراجا وقطعا للمعاذير يوم القيامة . حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ، من اللّه تعالى إِمَّا الْعَذابَ الدنيوي بغلبة المسلمين عليهم ، وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا ، وَإِمَّا السَّاعَةَ ، أي ما نالهم يوم القيامة من الخزي والنكال . فَسَيَعْلَمُونَ حينئذ ، مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً أي منزلا من الفريقين وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) ، أي أقلّ ناصرا ، أهم أم المؤمنون . وهذا ردّ لما كانوا يزعمون أن لهم أنصارا من الأخيار ، ويفتخرون بذلك في المحافل ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان ، هُدىً أي بالإخلاص ، وبالعبادات المتفرعة على الإيمان ، وبالثواب على ذلك الإيمان . وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ، أي الطاعات التي تبقى فوائدها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي فائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) أي عاقبة . أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ ؟ ؟ ؟ بِآياتِنا ، الناطقة بالبعث ، وهو العاص بن وائل السهمي ، وَقالَ لخباب بن الأرت : لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وَوَلَداً ( 77 ) . نزلت هذه الآية في شأن العاص بن وائل ، عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أقتضيه ، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لن أكفر به ، حتى تموت ثم تبعث . قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ، قلت : نعم ، قال : إني إذا بعثت وجئتني فسيكون لي ثمّ مال وولد ، فأعطيك . وقرأ حمزة والكسائي « وولدا » بضم الواو وسكون اللام . وقيل : صاغ خباب للعاص حليا فطلب الأجرة ، فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون ، وأن في الجنة ذهبا ، وفضة ، وحرير ، أفأنا أقضيك ، ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ فأجاب اللّه تعالى عن كلامه بقوله تعالى : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي أعلم الغيب ، وأن يعطى ما قاله ، أو أقد بلغ من عظمة الشأن ، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب ، الذي انفرد اللّه به ، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا ، وأقسم عليه . أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ